أحمد بن الحسين البيهقي

109

استدراكات البعث والنشور

فيتثاقل الميزان فترتفع الكفّة الفارغة وتبقى الكفّة المشغولة فذلك خفّة ميزانه ، فأما خيراته فإنها لا تحسب بشيء منها مع الكفر . قال اللّه عزّ وجل : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً . - وأما المؤمنون الذين يحاسبون ، فإن أعمالهم توزن وهم فريقان : أحدهما المؤمنون المتّقون لكبائر الذنوب ، فهؤلاء توضع حسناتهم في الكفة النّيرة ، وصغائرهم - إن كانت لهم - في الكفّة الأخرى ، فلا يجعل اللّه لتلك الصغائر وزنا ، وتثقل الكفّة النّيرة وترتفع الكفّة الأخرى ارتفاع الفارغ الخالي ، فيؤمر بهم إلى الجنة ، ويثاب كل واحد منهم على قدر حسناته وطاعاته كما تلونا من الآيات التي ذكرناها في الموازين . والآخر المؤمنون المخطئون ، وهم الذين يوافون القيامة بالكبائر والفواحش ، غير أنهم لم يشركوا باللّه شيئا ، فحسناتهم توضع في الكفّة النّيرة ، وآثامهم وسيئاتهم في الكفّة المظلمة ، فيكون يومئذ لكبائرهم التي جاءوا بها ثقل ولحسناتهم ثقل ، إلا أن الحسنات تكون بكل حال أثقل ، لأن معها الإيمان وليس مع السيئات كفر ، ويستحيل وجود الإيمان والكفر معا لشخص واحد ، ولأن الحسنات لم يرد بها إلا وجه اللّه تعالى ، والسيئات لم يقصد بها مخالفة اللّه وعناده ، بل كان تعاطيها لداعية الهوى وعلى خوف من اللّه عزّ وجل وإشفاق من غضبه ، فاستحال أن تواري السيئات - وإن كثرت - حسنات المؤمن ، ولكنها عند الوزن لا تخلو من تثقيل يقع بها الميزان حتى يكون ثقلها كبعض ثقل الحسنات ، فيجري أمر هؤلاء على ما ورد به الكتاب جملة ودلّت سنّة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم على تفصيلها وهو قوله عزّ وجل : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ، وقوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فيغفر لمن يشاء بفضله ، ويشفّع فيمن شاء منهم بإذنه ، ويعذب من شاء منهم بمقدار ذنبه ثم يخرجه من النار إلى الجنة برحمته كما ورد به خبر الصادق . وقد دلّ الكتاب على وزن أعمال المخلطين من المؤمنين وهو قوله عزّ وجل : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ